تمزيق العلم المغربي في إسبانيا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تصرف عابر، ولا باعتباره مشهداً احتجاجياً ينتهي بانتهاء لحظته. العلم ليس قطعة قماش يمكن أن تتحول إلى أداة للمزايدة السياسية، بل هو رمز لبلد وشعب وسيادة، وأي إساءة متعمدة إليه تحمل رسالة سياسية واضحة، مهما حاول أصحابها تقديمها في صورة فعل فردي أو تعبير عن الغضب.
لكن التعامل مع هذه الواقعة يجب أن يكون بعيداً عن الانفعال. فالمغرب وإسبانيا ليسا بلدين عابرين في علاقة عابرة. بينهما جغرافيا مشتركة، ومصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة، وتعاون في ملفات لا يستطيع أي طرف تجاهل أهميتها. ولهذا فإن الرد المغربي الأكثر قوة ليس الانجرار إلى الاستفزاز، وإنما التمسك بالهدوء مع توضيح أن الهدوء لا يعني القبول، وأن الحوار لا يعني التنازل عن الكرامة الوطنية.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول المغرب إلى مادة جاهزة للاستهلاك السياسي داخل إسبانيا. فمع اقتراب الانتخابات، يصبح من السهل على بعض السياسيين استدعاء الملفات المرتبطة بالمغرب، واستثمار المخاوف أو الصور النمطية أو القضايا الخلافية لتحقيق مكاسب انتخابية داخلية. وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بخلاف سياسي طبيعي بين دولتين، بل يتحول إلى محاولة لجعل العلاقات الخارجية وقوداً لمعركة سياسية داخلية.
وهذا الأمر لا ينبغي أن يقتصر النقد فيه على حزب أو تيار بعينه. المسؤولية تقع على كل من يعتقد أن الإساءة إلى المغرب أو استهداف رموزه يمكن أن يمنحه نقاطاً انتخابية. كما تقع على من يختار الصمت عندما تتجاوز المزايدات حدود النقد السياسي المشروع لتصل إلى إهانة رمز وطني لدولة يفترض أن تكون شريكاً وجاراً. فالسياسي الذي يريد بناء علاقات مستقرة مع المغرب لا يمكنه في الوقت نفسه أن يسمح بتحويل المغرب إلى هدف سهل في الحملات الانتخابية.
وفي المقابل، على المغرب أن يستمر في السياسة التي اختارها: الهدوء، وضبط النفس، والحوار، والدفاع عن المصالح الوطنية بعيداً عن ردود الفعل المتسرعة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين ضبط النفس وبين الصمت المفتوح. الهدوء سياسة قوة عندما يكون وراءه موقف واضح، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف في نظر الآخرين إذا فُهم باعتباره استعداداً لقبول كل شيء.
وهنا تحديداً ينبغي أن تكون الرسالة المغربية واضحة: العلاقات مع إسبانيا مهمة، والحوار معها ضروري، وحسن الجوار مصلحة مشتركة، لكن الاحترام يجب أن يكون متبادلاً. لا يمكن أن تطلب من المغرب أن يكون شريكاً موثوقاً في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد والاستقرار، ثم تسمح في الوقت نفسه باستعمال رموزه الوطنية كأداة للاستفزاز والمزايدة السياسية.
المغرب لا يحتاج إلى معركة إعلامية مع إسبانيا، ولا إلى الرد على كل استفزاز باستفزاز آخر. ما يحتاجه هو وضع حدود سياسية وأخلاقية واضحة، وإفهام مختلف الأطراف الإسبانية أن العلاقات بين البلدين أكبر من أن تكون رهينة لحسابات انتخابية مؤقتة. فالانتخابات تنتهي، والحكومات تتغير، لكن الجغرافيا والمصالح المشتركة تبقى.
لذلك فإن احترام العلم المغربي ليس مجاملة للمغرب، كما أن الدفاع عنه لا يعني رفض النقد أو إغلاق باب الحوار. المسألة أبسط وأعمق في الوقت نفسه: من يريد شراكة حقيقية مع المغرب، عليه أن يتعامل معه كشريك له كرامة ورموز ومصالح، لا كورقة انتخابية يمكن إخراجها من الجيب كلما احتاج سياسي إسباني إلى رفع منسوب الخطاب الداخلي.
والمغرب، وهو يتمسك اليوم بالهدوء والحوار، لا ينبغي أن يُفهم موقفه خطأ. الصمت ليس إلى الأبد، وضبط النفس ليس بلا حدود. وإذا استمر بعض السياسيين في اختبار هذه الحدود، فقد يأتي وقت يصبح فيه الحفاظ على حسن الجوار نفسه مشروطاً بوضع حد واضح لمنطق الاستفزاز والمزايدة.