صمت المغرب ليس ضعفاً

مقالة كتبت بتاريخ 5 سبتمبر، 2026

سي محمد الصديقي

مراسل صحفي وكاتب محتوى مغربي، مهتم بالشأن الوطني والدولي

تابعنا على صفحات التواصل الاجتماعي

منذ أن اختارت مدريد، في مارس 2022، إعادة ترتيب علاقتها مع الرباط على أساس الاعتراف بمغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي، دخلت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة جديدة كان يفترض أن تؤسس لشراكة استراتيجية مستقرة. لكن يبدو أن جزءاً من الطبقة السياسية والإعلامية الإسبانية لم يتقبل هذا التحول، وظل يعمل، بطرق مختلفة، على إعادة العلاقات إلى منطق الأزمة والمواجهة. والأخطر أن بعض هذه المحاولات بدأت تلامس ملفات شديدة الحساسية بالنسبة إلى المغرب، بينما اختارت الرباط حتى الآن الصمت والهدوء وعدم الانجرار إلى الاستفزاز.

هذا الصمت المغربي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عجزاً عن الرد، ولا باعتباره قبولاً بالأمر الواقع. المغرب يدرك جيداً قيمة علاقته مع إسبانيا، كما يدرك حجم المصالح التي تجمع البلدين في الاقتصاد والأمن والهجرة والتجارة والاستقرار الإقليمي. ولذلك اختار أن يمنح الشراكة فرصة، وأن يتعامل مع التطورات بعقلانية بعيداً عن ردود الفعل المتسرعة. لكن الشراكة الحقيقية لا تعني أن يصمت طرف بينما يتحول الطرف الآخر إلى ساحة مفتوحة للمناورات السياسية التي تستهدف مصالحه ووحدته الترابية.

المشكلة اليوم ليست فقط في وجود أصوات إسبانية معادية للمغرب؛ فهذه الأصوات كانت موجودة دائماً. المشكلة في محاولة تحويل الملفات الخلافية إلى أدوات ضغط على الحكومة الإسبانية، وفي السعي إلى إفراغ التحول الذي عرفته العلاقات منذ 2022 من مضمونه. وعندما تُطرح مبادرات أو مواقف من شأنها إعادة ملف الصحراء إلى مربع التجاذب السياسي، أو عندما تُستعمل قضايا الهجرة وسبتة ومليلية لتأليب الرأي العام ضد المغرب، فإن الأمر يتجاوز مجرد اختلاف في وجهات النظر. إنه يمس الأساس الذي يفترض أن تقوم عليه الشراكة الجديدة بين البلدين.

وفي ملف سبتة ومليلية تحديداً، يصبح هامش المناورة أكثر ضيقاً. المغرب لم يجعل من هذه القضية سبباً يومياً للصدام، لكنه لم يتخل أيضاً عن موقفه المعروف. لذلك فإن رفع سقف الخطاب الإسباني، واستدعاء الرموز الوطنية المغربية في مظاهرات أو حملات سياسية، ومحاولة تحويل المدينتين إلى ورقة تعبئة داخلية، لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد. حسن الجوار لا يعني الصمت أمام الاستفزاز، والحوار لا يعني أن يقبل المغرب بكل ما يُقال أو يُفعل ضده.

وهنا تقع المسؤولية الأكبر على عاتق الحكومة الإسبانية. فإذا كانت مدريد تريد فعلاً بناء علاقة استراتيجية مع الرباط، فعليها أن تدرك أن هذه العلاقة لا يمكن أن تقوم على سياسة مزدوجة: شراكة واسعة مع المغرب من جهة، وترك المجال مفتوحاً أمام القوى التي تعمل على تقويض أسسها من جهة أخرى. الحكومة مطالبة بأن تضع مصالح إسبانيا بعيدة المدى فوق الحسابات الانتخابية والمزايدات السياسية، لأن المغرب ليس مجرد ملف في السياسة الداخلية الإسبانية، ولا يمكن أن يتحول إلى مادة للاستهلاك الحزبي كلما اقترب موعد انتخابي أو اشتدت المنافسة السياسية.

لقد اختار المغرب حتى الآن الصمت، وربما كان هذا الخيار هو الأكثر حكمة. فالدبلوماسية القوية ليست في كثرة التصريحات، وإنما في معرفة متى تتحدث ومتى تترك الطرف الآخر يتحمل مسؤولية خياراته. لكن للصمت حدوداً، وللصبر نهاية، خصوصاً عندما تتراكم الاستفزازات وتمس قضايا يعتبرها المغرب غير قابلة للمساومة.

ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مدريد واضحة: المغرب يريد الحوار، ويتمسك بحسن الجوار، ويعرف قيمة الشراكة مع إسبانيا، لكنه لن يقبل أن تتحول هذه الشراكة إلى وسيلة للضغط عليه أو المساس بثوابته. الكرة اليوم في الملعب الإسباني. فإذا اختارت مدريد منطق الشراكة، ستجد في الرباط شريكاً مسؤولاً وموثوقاً. أما إذا اختارت العودة إلى منطق الماضي والمواجهة، فعليها أن تدرك أن صمت المغرب فرصة لتصحيح المسار، وليس شيكاً على بياض لاستمرار الاستفزاز.